أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

306

الكامل في اللغة والأدب

الدنيا يهبها لكم في الآخرة . فلما أصبحوا غادو المهلب فقاتلوه قتالا شديدا نسي به ما كان قبله ، فقال رجل من الأزد من أصحاب المهلّب : من يبايعني على الموت ؟ فبايعه أربعون رجلا من الأزد وغيرهم ، فصرع بعضهم ، وقتل بعض ، وجرح . وقال عبد اللّه بن رزام الحارثي لأصحاب المهلّب : احملوا ! فقال المهلّب : أعرابيّ مجنون ، وكان من أهل نجران ، فحمل وحده فاخترق القوم حتى نجم من ناحية أخرى ، ثم رجع ثم كرّ ثانية ففعل فعلته الأولى ، وتهايج الناس فترجّلت الخوارج وعقروا دوابهم ، فناداهم عمرو القنا ، ولم يترجل هو وأصحابه من العرب ، وكانوا زهاء أربعمائة : موتوا على ظهور دوابكم ولا تعقروها ، فقالوا : أنا إذا كنّا على الدواب ذكرنا الفرار . فاقتتلوا ، ونادى المهلب بأصحابه : الأرض الأرض ! وقال لبنيه : تفرقوا في الناس ليروا وجوهكم ، ونادى الخوارج ألا أن العيال لمن غلب ، فصبر بنو المهلب وصبر يزيد بين يدي أبيه ، وقاتل قتالا شديدا أبلى فيه ، فقال له أبو : يا بنيّ ، أني أرى موطنا لا ينجو فيه إلّا من صبر وما مرّ بي يوم مثل هذا منذ مارست الحروب . وكسرت الخوارج أجفان سيوفها وتجاولوا ، فأجلت جولتهم عن عبد ربه مقتولا ، فهرب عمرو القنا وأصحابه ، واستأمن قوم ، وأجلت الحرب عن أربعة آلاف قتيل وجرحى كثير من الخوارج ، فأمر المهلّب بأن يدفع كلّ جريح إلى عشيرته ، وظفر بعسكرهم فحوى ما فيه ، ثم انصرف إلى جيرفت . فقال : الحمد للّه الذي ردنا إلى الخفض والدعة ، فما كان عيشنا بعيش ، ثم نظر إلى قوم في عسكره لم يعرفهم فقال ما أشد عادة السلاح ، ناولوني درعي . فلبسها ، ثم قال : خذوا هؤلاء ! فلما صير بهم إليه قال : ما أنتم ؟ قالوا : نحن قوم جئنا لنطلب غرّتك لنفتك بك ، فأمر بهم ، فقتلوا . رسولا المهلب إلى الحجاج ووجه المهلّب كعب بن معدان الأشقريّ ومرّة بن تليد الأزديّ من أزد شنوءة فوفد على الحجاج ، فلما طلعا عليه تقدم كعب فأنشده :